محمد سعيد رمضان البوطي

190

فقه السيرة ( البوطي )

من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قتل معظمهم . روى البخاري أنه لما كان يوم أحد ، انهزم الناس عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مجوّب عليه - مترّس بنفسه عليه - بجحفة له - ترس من جلد - ، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع ، يشرف النبي صلى اللّه عليه وسلم ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف ، يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك « 1 » . وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والنبل يتلاحق في ظهره وهو منحن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يتحول ، وترّس زياد بن السكن نفسه دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قتل هو وخمسة من أصحابه ، وكان آخرهم على ما رواه ابن هشام عمارة بن يزيد بن السكن ، فقاتل دونه عليه الصلاة والسلام حتى أثبتته الجراح ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أدنوه مني » ، فوسده قدمه ، فمات وخده على قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( ) ثم إن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين ، وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه ، وفزع الناس لقتلاهم ، وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب ، واليمان ، وأنس بن النضر ، ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم ، وقد تأثر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لمقتل عمه تأثرا كبيرا ، وقد مثّل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه ، وأخذ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يجمع بين الرجلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول : « أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ » فإذا أشير له إلى أحد قدّمه في اللحد ، وقال : « أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة » ، وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا « 2 » . ( ) وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين ، وراح عبد اللّه بن أبيّ بن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين : لو أطعتمونا ما قتل منكم من قتل ، وأخذوا يتساءلون عن النصر الذي كانوا يتوهمونه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقا على إرجاف اليهود والمنافقين وبيانا لحكمة ما حصل في غزوة أحد ، وهي تبدأ بقوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) [ آل عمران : 121 ] إلى قوله تعالى : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) [ آل عمران : 168 ] . ( ) وانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أحد مساء السبت ، فبات تلك الليلة في المدينة هو

--> ( 1 ) البخاري : 5 / 33 . ( 2 ) البخاري : 5 / 49 .